الشنقيطي
299
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
السَّماءِ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات ، وكل ما علا فهو سماء ، فالعرش أعلى السماوات . هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه في كتاب الإبانة المذكور . وقد أطال رحمه اللّه في الكلام بذكر الأدلة القرآنية ، في إثبات صفة الاستواء ، وصفة العلو للّه جل وعلا . ومن جملة كلامه المشار إليه ما نصه : وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية : إن قول اللّه عز وجل الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] أنه استولى وملك وقهر ، وأن اللّه عز وجل في كل مكان . وجحدوا أن يكون اللّه عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق ، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة . ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ، فاللّه سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش ، وعلى كل ما في العالم . فلو كان اللّه مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأفراد ، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها . وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول : إن اللّه عز وجل مستو على الحشوش والأخلية ، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها . ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها . وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن اللّه عز وجل في كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية . وهذا خلاف الدين ، تعالى اللّه عن قولهم . ا ه . هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه في آخر مصنفاته . وهو كتاب الإبانة عن أصول الديانة . وتراه صرح رحمه اللّه بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة والجهمية والحرورية لا قول أحد من أهل السنة وأقام البراهين الواضحة على بطلان ذلك . فليعلم مؤولو الاستواء بالاستيلاء أن سلفه في ذلك المعتزلة والجهمية والحرورية ، لا أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه ولا أحد من السلف . وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي